أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

36

العقد الفريد

إن كان ينفعك اليقين فسائلي * عن الظّعينة يوم وادي الأخرم « 1 » إذ هي لأوّل من أتاها نهزة * لولا طعان ربيعة بن مكدّم إذ قال لي أدنى الفوارس منهم * خلّ الظّعينة طائعا لا تندم فصرفت راحلة الظعينة نحوه * عمدا ليعلم بعض ما لم يعلم وهتكت بالرّمح الطويل إهابه * فهوى صريعا لليدين وللفم ومنحت آخر بعده جيّاشة * نجلاء فاغرة كشدق الأضجم « 2 » ولقد شفعتهما بآخر ثالث * وأبى الفرار عن العداة تكرّمي ثم لم يلبث بنو كنانة [ رهط ربيعة بن مكدّم ] أن أغارت على بني جشم [ رهط دريد ] ، فقتلوا [ وأسروا وغنموا ] ، وأسروا دريد بن الصّمة ، فأخفى نسبه ، فبينما هو عندهم محبوس ، إذ جاءت نسوة يتهادين « 3 » إليه ، فصاحت إحداهن فقالت : هلكتم وأهلكتم ، ما ذا جرّ علينا قومنا ؟ هذا واللّه الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة ! ثم ألقت عليه ثوبها ، وقالت يا آل فراس أنا جارة له منكم ، هذا صاحبنا يوم الوادي ! فسألوه : من هو ؟ فقال أنا دريد بن الصمة ، فمن صاحبي ؟ قالوا : ربيعة بن مكدم . قال : فما فعل ؟ قالوا : قتلته بنو سليم ! قال : فا فعلت الظعينة ؟ قالت المرأة : أنا هي ، وأنا امرأته ! فحبسه القوم وآمروا أنفسهم ، فقال بعضهم : لا ينبغي لدريد أن تكفر نعمته على صاحبنا ! وقال الآخرون لا واللّه لا يخرج من أيدينا إلا برضا المخارق الذي أسره ، فانبعثت المرأة في الليل - وهي ريطة بنت جزل الطعان - فقالت : سنجزي دريدا عن ربيعة نعمة * وكلّ امرئ يجزى بما كان قدّما فإن كان خيرا كان خيرا جزاؤه * وإن كان شرّا كان شرّا مذمّما سنجزه نعمى لم تكن بصغيرة * بإهدائه الرّمح الطويل المقوّما « 4 »

--> ( 1 ) الأخرم : جبل في طرف الدهناء ( 2 ) جياشة : أي تتدنق بالدم . ونجلاء : واسعة والأضجم : الذي في فمه عوج وميل ( 3 ) تهادى : تمايل في مشيه ( 4 ) المقوّم : الذي لا اعوجاج فيه